الشيخ محمد رشيد رضا

109

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهذا الرأي يتفق مع ما ذكرناه في وجه الاتصال بين الآيات إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا قال ابن جرير : يعنى بذلك جل ثناؤه واللّه سميع عليم حين همت طائفتان منكم ان تفشلا . والهم حديث النفس وتوجهها إلى الشئ ، والفشل ضعف مع جبن : وقيل إن هذا بدل من قوله « وَإِذْ غَدَوْتَ » وقيل متعلق بتبوىء . اى كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتخذ المعسكر للمؤمنين وينزل كل طائفة منهم منزلا في وقت همت فيه طائفتان منهم بالفشل افتتانا بكيد المنافقين الذين رجعوا من العسكر . والطائفتان هما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار كما تقدم في القصة وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي متولى أمورهما لصدق إيمانهما لذلك صرف الفشل عنهما وثبتهما فلم يجيبا داعى الضعف الذي ألم بهما عند رجوع نحو ثلث العسكر بل تذكروا ولاية اللّه للمؤمنين فوثقا به وتوكلا عليه وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أمثالهم ، لا على حولهم وقوتهم ، ولا على أعوانهم وأنصارهم ، وإنما يبذلون حولهم وقوتهم ، ويأخذون اهبتهم وعدتهم ، إقامة لسنن اللّه تعالى في خلقه إذ جعل الأسباب مفضية إلى المسبباب وهو الفاعل المسخر للسبب والمسبب والموفق بينهما فينصر الفئة القليلة على الكثيرة إن شاء كما نصر المؤمنين يوم بدر ولذلك قال : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وهو ماء أو بئر بين مكة والمدينة كان لرجل اسمه بدر فسمى باسمه ثم أطلق اللفظ على المكان الذي هو فيه . وقد كانت فيه أول غزوة قاتل فيها النبي المشركين في 17 رمضان من السنة الثالثة للهجرة فنصره اللّه عليهم نصرا مؤزرا وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ اى نصركم في حالة ذلة كنتم فيها على قلتكم - كما يفيده لفظ أذلة ، إذ هو جمع قلة - وقد كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلا ، والمراد بكونهم أذلة انهم لا منعة لهم إذ كانوا قليلي العدة من السلاح والظهراى ما يركب ) والزاد . ولا غضاضة في الذل إلا إذا كان عن قهر من البغاة والظالمين ولم يكن المؤمنون بمقهورين ولا مستذلين من الكافرين ، وإنما كانت قوتهم في أوائل تكونها فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فان التقوى هي التي تعدكم للقيام في مقام